"أنا بربريُّ الأصلِ، مسلمُ العقيدةِ، عربيُّ الثقافةِ، وطنيُّ الروحِ، ولسانِي لسانُ لغةِ الوَحْيِ"
نشأته الأولى وطفولته
ناصر الدين ابن الميلود سعيدوني من أسرة ريفية في الشرق الجزائري تنتمي إلى العائلة الكبيرة "البوازيد"، ولد في العاشر من جويلية عام 1940م في فترة الحرب العالمية الثانية، وفي زمن التحرك ضد أطماع الدول الإمبريالية الاستعمارية. وسمّي بـ "ناصر الدين" تيمّنا بهزيمة الفرنسيين على يد النازيين وبداية عهد جديد في الجزائر في تلك السنة.
قضى السنوات السبع الأولى من حياته في وسط ريفي بمنزل عائلته في "بئر الشهداء" بأم البواقي، حيث لُقّبَ هذا المكان بـ "سيدي مصطفى" جدّ ناصر الدين.
ناصر الدين ابن منطقة "بئر الشهداء" طبّق عليها الضابط الفرنسي "ديزون" سياسة الإبادة الجماعية خلال الثورة التحريريّة، والتي كانت تعتبر منطقة انتقالٍ إلى المناطق الأولى، والثانية والثالثة، فكان يلقي بالشهداء في آبار المعمرين، وبذلك أخدت القرية اسم "بئر الشهداء" بعدما كانت تسمى "قرية استعمارية".
وناصر الدين هو الذّكر الوحيد الذي بقي على قيد الحياة من بين إخوته، وعاش مع أخواته الأربع وهو الأصغر في الترتيب، هو ابن دوار "زاوية بن مرزوق"، وتعود أصولُ أسرته إلى كتلة "بلّزمة" الجبلية بالجناح الغربي لجبال الأوراس.
بدأ مرحلته الدراسية الأولى مع أختيه في مدرسة التهذيب بمدينة "التلاغمة" لمدة ثلاث سنوات والتي انتقل إليها والده "الشيخ الميلود" خريج جامع الزيتونة ليكون إماما في مسجدها ومديرا لمدرستها التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
عند بلوغه العاشرة رحل مع أسرته إلى حاضرة الشرق الجزائري "قسنطينة" ودرس المرحلة الابتدائية هناك قبل أن ينتسب إلى معهد الشيخ عبد الحميد بن باديس والكلية الكتانية. ومن معلميه الشيخ الصادق حمّاني، والشيخ عبد الرحمن شيبان، ومحمد الميلي، والشيخ النُّعَيْمي، الشيخ العدوي، الشيخ حفناوي، والشيخ بن دياب، ومن التلاميذ الذين درسوا معه في المرحلة الابتدائية الأديبة زهور ونيسي، أما في معهد ابن باديس فقد زامل سي علي أمقران، السي الحفناوي، الشيخ محند الطيب مترجم القرآن، وغيرهم. وفي هذا الصدد يقول البروفيسور ناصر الدين:
"كلُّ من درس في معهد ابن باديس يكتسب روحا داخلية تحركه للنجاح والاستقامة في السلوك.. وأنا أفتخر بانتسابي لهذا المعهد ودراستي على يد الشيوخ الأفاضل".
توجه مع عائلته عام 1958م إلى عنابة فاستقر فيها لمدة سنة كاملة، لكنه واصل دراسة مقررات المستوى الثانوي ليحضّر للباكالوريا.
مرحلة الجامعة والبحث العلمي
في سن الثانية والعشرين توجه ناصر الدين إلى العاصمة، وكانت لحظات الاستقلال، فانخرط في الدراسة الجامعية وحصل على شهادته الجامعية الأولى "شهادة الكفاءة في التعليم للتاريخ والجغرافيا" (كابس) (CAPES) -وكان ترتيبه الأول في الدفعة- من معهد الدراسات العربية في تخصص التاريخ؛ في جوان 1966م. بعدها التحق بسلك التعليم كأستاذ في ثانوية الإدريسي.
حصل على شهادتي ليسانس من كلية الآداب بجامعة الجزائر؛ الأولى في التاريخ عام 1969م، والثانية في الجغرافيا سنة 1971م، التحق لفترة بالمدرسة العليا للأساتذة بالقبة لدراسة الآداب واللغة العربية وعدة تخصصات أخرى، ليتحصل بعد 6 سنوات على شهادة دكتوراه الحلقة الثالثة من جامعة الجزائر في تخصص التاريخ الحديث والمعاصر سنة 1974م بعنوان "النظام المالي للجزائر أواخر العهد العثماني 1792-1830م" بدرجة امتياز تحت إشراف الدكتور أبو القاسم سعد الله، ثم حاول التسجيل في القاهرة مع الأستاذ أحمد عزة عبد الكريم -رحمه الله- لكن الظروف آنذاك كانت صعبة مما أدى به للتوجه إلى فرنسا عام 1976م.
بعض مؤلفاته
نظرة الدكتور ناصر الدين سعيدوني إلى التاريخ
"التاريخ هو تجربة الإنسان المدونة وحصيلة الجهد البشري في الماضي، فليس هناك حركة ما تستوعبه وتحدد أبعاده أو مفهوم يضبط أسبابه ويتنبأ بنتائجه، وهو في الحقيقة حوار بين الماضي والحاضر والمستقبل، وبين الإنسان والزمان وبين مدونه ومستقرئه بل هو مسرحية تؤلفها الأقوام الماضية لتمثلها الأجيال الحالية.
إن التاريخ في جوهره تطور الفعل في الزمان، كما أن الطبيعة تطور الشيء في المكان... فهو يرفض الصمت، ليسجل الأحداث والوقائع ويدون أسماء الفاعلين والمؤثرين فيها... لا يبالي بمن يستمد منه معرفته أو يتخذه درسا أو يجعله عبرة أو يستعمله حجة... كما أنه لا يحجب نفسه في ردهات القصور ولا تشده شواهد القبور، ولا يلتفت إلى زغاريد المنتصرين ولا يأبه بتأوهات المنهزمين، لأنه فوق كل ذلك.
إن التاريخ هو بعث مستمر للحياة وتكريس للوجود لا يتأثر إلا بثقافة وخبرة وسلوك كاتبه وهو المؤرخ الذي يؤدي دور الحاجب ويقوم بمهنة الكاهن يشد الرحال إلى الماضي ويسلط الأضواء على مسرح الوجود ودراما الزمن؛ فالمؤرخ الأصيل لا يكون إلا ابن بيئته ونتاج عصره واللسان المعبر عن مجتمعه والضمير الحي لأمته والعين الناقدة
لواقعه."
-بتصرف-
المصادر:
- موقع مؤسسة وسام العالم الجزائري.
- كتاب: المؤرخ ناصر الدين سعيدوني رائد الدراسات العثمانية في الجزائر، ص11.
شاركنا بتعليقك